يحيي بن حمزة العلوي اليمني

96

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ النور : 62 ] فظاهر هذه الآية التكرير ، وليس الأمر كذلك فإن الحصر وإن كان شاملا لهما ، لكنه مختلف ، فالآية الأولى إنما وردت في حصر الإيمان ، وأنه لا إيمان حقيقة إلا الإيمان بالله ورسوله ، وما عداهما لا يعد من الإيمان ، ولا يكون داخلا في ماهيته ، وتعريضا بحال من أنكر التوحيد والنبوة ، فإنه غير داخل في هذه الصفة بحال ، والآية الثانية فإنما وردت على جهة الحصر في المستأذنين ، كأنه قال صفة الاستئذان مقصورة على كل من آمن بالله ورسوله ، فلا يتأخر إلا بأمر من جهتك ، ولا يقدم ولا يحجم إلا عن رأيك ، لاطمئنان نفسه بالإيمان ، ورسوخ قدمه فيه ، فهذا هو المستأذن حقيقة ، فأما من كان غير مؤمن بالله ولا معرج على التصديق بك ، فليس من استئذانك في ورد ولا صدر ، فقد ظهر بما ذكرناه تغاير الآيتين بما أبرزناه من معناهما ، فهكذا تفعل في كل ما ورد عليك من الآي القرآنية ، فإن التكرير فيه كثير ، ورب كلام يكون الإطناب فيه أبلغ من الإيجاز ، وتصير البساطة له كالعلم والطراز ، ولولا خشية الإطالة لأوردنا جميع التكريرات كلها ، وأظهرنا تغايرها ، وفيما أشرنا إليه كفاية لما نريده من ذلك ، ومن التكرير الفائق ما ورد في السنة الشريفة كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم في وصف يوسف الصديق عليه السلام « الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم » يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، يعنى أنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي ، فقد تنوسخ من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة ، فهذا تكرير بالغ دال على نهاية الشرف ، وإعظام المنزلة ، ورفع الرتبة عند الله ، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه « اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم ، فإنهم قطعوا رحمي وصغّروا عظيم قدرى ، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ثم قالوا ألا في الحق أن نأخذه ، وفي الحق أن نمنعه » وإنما كرر قوله في الحق ، مبالغة في التوجّع ، وإعظاما في التهكّم بهم ، حيث اعتقدوا أن منعه هو الحق بزعمهم ، فهذا من التكرير الذي قد بلغ في الفصاحة أعلاها ، وأصعد في ذروتها وحل أقصاها كما ترى ، ومن الأبيات الشعرية ما يليق ذكره هاهنا ، فمن ذلك قول المتنبي « 1 » : العارض الهتن بن العارض الهتن ب * ن العارض الهتن بن العارض الهتن فهذا من باب التكرير ، ثم من الناس من صوبه في تكريره هذا . ومنهم من قال إنه قد

--> ( 1 ) البيت للمتنبى ، وهو في ديوانه / 216 ، ضمن قصيدة له يمدح فيها أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الخطيب وهو يومئذ يتقلد القضاء بأنطاكية ، وانظر أيضا شرح التبيان للعكبرى 2 / 464 .